الفقه المعاصر للحسبة/2- 2

عرض المقال

الفقه المعاصر للحسبة/2- 2
2908 زائر
14-05-2013
د . محمد بن صالح العلى

كان المقال السابق توطئة لهذا المقال، فقد كان حديثنا عن الحسبة في العصور الإسلامية الماضية، وقد آن أن نحدثكم عن الحسبة في زماننا، فقد ضمرت الحسبة في كثير من الدول الإسلامية إن لم تكن قد اختفت، وعلى الرغم من أن وظائف الحسبة تقوم بها جهات أخرى كالبلدية والصحة.. إلا أنه من الملاحظ أن الحسبة أو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مفهوم واسع وشامل يدخل في قضايا كثيرة، فمصطلح المعروف يدل على كل خير ومصطلح المنكر يدل على كل شر، فكل خير من الأقوال والأعمال والمشاريع والأخلاق.. يجب أن نحرص عليه، وكل منكر من الأقوال والأعمال والمشاريع والأخلاق يجب أن نتطهر منه، وبذلك نضمن الخيرية في المجتمع والبعد عن كل منكر، فالإسلام هو النسخة النهائية الخاتمة للدين الإلهي وقد أوجد آلية للتغير والإصلاح لما يحدث في المجتمع من فساد ومن سلبيات، ولذلك ابتكر هذه الوسيلة لتغيير الفساد الذي يطرأ على المجتمع، فضمن بذلك بقاء المجتمع نظيفًا طاهرًا.

ومنطقي أن يتطور عمل جهاز الحسبة الإسلامية بتطور عمران المجتمعات الإسلامية نفسها، وهو إنما يميل بنا إلى أن نقرر أن ثمة آفاقًا جديدة ورحبة يملكها هذا الجهاز بطبيعة تكوينه بما هو ذراع في يد الشريعة لتصحيح مسيرة حياة المجتمع الإسلامي.

ومن المجالات الحديثة التي تدخل فيها الحسبة ما يسمى بالمنكرات البيئية، فهناك شكوى من إفساد البيئة وتلويثها، وأصبح ذلك منكرًا عالميًا، تنكره المنظمات والهيئات الدولية، وأصبح خطرًا يهدّد حياة الإنسان.

ولا شك أنّ التلوث البيئي قد أصبح من أخطر المشاكل الصحية، إذ تشير الإحصائيات العالمية إلى ازدياد مطرد في نسبة الإصابة بالسرطان نتيجة التوسع في دائرة استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية، ومكسبات الطعم واللون، بالإضافة إلى سوء تخزين المواد الغذائية، وخاصة الحبوب، والذي ينتج عنه بعض السموم الفطرية، ويصطلح على تسمية هذه السموم بالمسببات السرطانية.

وقد جاءت شريعتنا بإنكار كل ما يهدّد البيئة ويلوثها، واعتبرت ذلك منكرًا عظيمًا يجب التحذير منه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: { ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس } فأصبحت الكرة الأرضية اليوم مشغولة بهمومها، فالحرارة تلهب ظهرها، وتغيرات المناخ تهدد جوّها، والمبيدات الحشرية قد أفسدت أرضها.

وقد نهى الله عن إفساد البيئة فقال: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ؛ بل قد خصص الله بالذكر ذلك النوع من الفساد الذي يستأصل النبات والحيوان؛ فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}.

لقد أرست الشريعة الإسلامية مبدأ سد الذرائع إلى الفساد أيًا كان نوعه تقييدًا للتعامل مع البيئة بما يدرأ عنها المفسدة وذلك تحت قاعدة ( درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ).

إن هذا الموقف يجعلنا أكثر ثباتًا حينما نتحدث عن التلوث البيئي، ويظهر المبادئ العليا والسامية لديننا، فنحن حينما نعلن موقفنا من التلوث البيئي نعلنه من منطلقات ديننا المتحضر، وهذا لا يكون إلا حينما نفهم نظام الحسبة فهمًا عصريًا.

ومجال الحسبة مجال شامل يدخل فيه أمور معاصرة كثيرة، ولو ذهبنا نحصيها لطال بنا الحديث، ولكن حسبنا أن نضرب أمثلة واقعية ليقتنع القارئ بذلك، وكما قلنا إن الأمر بالمعروف يقتضي الدخول في كل مجال يحقق الخير ليس للمسلمين فقط؛ بل للإنسانية جمعاء، وأن النهي عن المنكر يقتضي محاربة كل فساد وشرّ، ليس للمسلمين فقط؛ بل للإنسانية جمعاء.

والمجالات التي تدخل فيها الحسبة كثيرة، فمثلًا في مجال الأمراض ومقاومتها يمكننا أن نساهم في إنشاء مراكز علمية مهمتها مقاومة الأمراض الجديدة، والتي تفتك بالبشر كالسرطان والإيدز ....، وفي مجال نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة يمكننا إقامة مراكز علمية واجتماعية لهذا الغرض، وإقامة مراكز بحثية لمقاومة الإباحية والتحلل الأخلاقي.

وفي مجال الحروب والأسلحة المدمرة يمكننا أن ننشئ مراكز عالمية للمساهمة في التقليل من الحروب، ومراكز أخرى لمحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل، مثل ما هو معمول به في أوروبا حينما أنشأوا منظمات لذلك مثل منظمة الخضر أو جماعات السلام الأخضر.

وفي مجال لتعايش بين الشعوب يمكننا أن نظهر حرص الإسلام

الحضاري على ثقافة التعايش ونشرها بين الأمم والشعوب، فإن من المنكر ما يقع بين الشعوب والدول من حروب مدمرة، تأكل الأخضر واليابس.

وفي مجال محاربة الفقر يمكننا أن نساهم في إنشاء المراكز البحثية التي تهتم بمحاربة الفقر، فقد أمرنا ديننا بذلك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر، وكان يقول : ( كاد الفقر أن يكون كفرًا ) ويقول الإمام علي : (لو كان الفقر رجلًا لقتلته).

ومجال آخر يمكن أن تدخل فيه الحسبة وهو مجال حماية الحيوانات والنباتات من الانقراض، فقد اهتم الإسلام بحفظ النوع والسلالة في الإنسان، والأنعام، والأشجار، وجميع المخلوقات الحية، ومما يفيد حرمة إتلاف الحيوانات قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من قتل عصفورًا عبثًا عجّ إلى الله عزّ وجل يوم القيامة يقول: يا ربّ، إنّ فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلني لمنفعة)، وكثير من النصوص التي جاءت تنهى عن إتلاف الحيوانات والنباتات لغير منفعة، ويمكن في هذا المجال أن ننشئ مراكز لحماية الحيوانات والنباتات من الانقراض.

ومن المنكرات التي يجب إنكارها ومحاربتها الكوارث والزلازل والأعاصير التي تفتك بالبشرية في كل عام، فيجب أن نساهم في إنشاء المراكز العلمية لدراستها ومكافحتها ووقاية البشرية من أضرارها.

ما ذكرته ما هي إلا نماذج لدخول الحسبة في مجالات كثيرة في الحياة المعاصرة، وبذلك نستطيع تفعيل مبدأ الحسبة تفعيلًا عصريًا، ونستطيع أن نكون مواكبين للعصر مع التزام بمبادئ ديننا، هذا هو الفهم الصحيح للدين، فديننا بما يملك من مبادئ وقيم وتشريعات وأخلاق يستطيع أن يواكب الحياة العصرية.

إننا في حاجة ماسة إلى فهم الإسلام فهمًا عصريًا، لنستطيع العيش في القرن الواحد والعشرين بكل راحة، نعيش فيه مع الالتزام بقواعد الدين وأخلاقياته، وهذه مهمة العلماء والفقهاء، بأن يجددوا الدين، أي يجعلونه صالحًا لكل عصر، متجددًا في كل زمان، وهذا ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها)
- See more at: http://almesryoon.com/permalink/133582.html#sthash.FcWUzncb.dpuf

كان المقال السابق توطئة لهذا المقال، فقد كان حديثنا عن الحسبة في العصور الإسلامية الماضية، وقد آن أن نحدثكم عن الحسبة في زماننا، فقد ضمرت الحسبة في كثير من الدول الإسلامية إن لم تكن قد اختفت، وعلى الرغم من أن وظائف الحسبة تقوم بها جهات أخرى كالبلدية والصحة.. إلا أنه من الملاحظ أن الحسبة أو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مفهوم واسع وشامل يدخل في قضايا كثيرة، فمصطلح المعروف يدل على كل خير ومصطلح المنكر يدل على كل شر، فكل خير من الأقوال والأعمال والمشاريع والأخلاق.. يجب أن نحرص عليه، وكل منكر من الأقوال والأعمال والمشاريع والأخلاق يجب أن نتطهر منه، وبذلك نضمن الخيرية في المجتمع والبعد عن كل منكر، فالإسلام هو النسخة النهائية الخاتمة للدين الإلهي وقد أوجد آلية للتغير والإصلاح لما يحدث في المجتمع من فساد ومن سلبيات، ولذلك ابتكر هذه الوسيلة لتغيير الفساد الذي يطرأ على المجتمع، فضمن بذلك بقاء المجتمع نظيفًا طاهرًا.

ومنطقي أن يتطور عمل جهاز الحسبة الإسلامية بتطور عمران المجتمعات الإسلامية نفسها، وهو إنما يميل بنا إلى أن نقرر أن ثمة آفاقًا جديدة ورحبة يملكها هذا الجهاز بطبيعة تكوينه بما هو ذراع في يد الشريعة لتصحيح مسيرة حياة المجتمع الإسلامي.

ومن المجالات الحديثة التي تدخل فيها الحسبة ما يسمى بالمنكرات البيئية، فهناك شكوى من إفساد البيئة وتلويثها، وأصبح ذلك منكرًا عالميًا، تنكره المنظمات والهيئات الدولية، وأصبح خطرًا يهدّد حياة الإنسان.

ولا شك أنّ التلوث البيئي قد أصبح من أخطر المشاكل الصحية، إذ تشير الإحصائيات العالمية إلى ازدياد مطرد في نسبة الإصابة بالسرطان نتيجة التوسع في دائرة استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية، ومكسبات الطعم واللون، بالإضافة إلى سوء تخزين المواد الغذائية، وخاصة الحبوب، والذي ينتج عنه بعض السموم الفطرية، ويصطلح على تسمية هذه السموم بالمسببات السرطانية.

وقد جاءت شريعتنا بإنكار كل ما يهدّد البيئة ويلوثها، واعتبرت ذلك منكرًا عظيمًا يجب التحذير منه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: { ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس } فأصبحت الكرة الأرضية اليوم مشغولة بهمومها، فالحرارة تلهب ظهرها، وتغيرات المناخ تهدد جوّها، والمبيدات الحشرية قد أفسدت أرضها.

وقد نهى الله عن إفساد البيئة فقال: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ؛ بل قد خصص الله بالذكر ذلك النوع من الفساد الذي يستأصل النبات والحيوان؛ فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}.

لقد أرست الشريعة الإسلامية مبدأ سد الذرائع إلى الفساد أيًا كان نوعه تقييدًا للتعامل مع البيئة بما يدرأ عنها المفسدة وذلك تحت قاعدة ( درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ).

إن هذا الموقف يجعلنا أكثر ثباتًا حينما نتحدث عن التلوث البيئي، ويظهر المبادئ العليا والسامية لديننا، فنحن حينما نعلن موقفنا من التلوث البيئي نعلنه من منطلقات ديننا المتحضر، وهذا لا يكون إلا حينما نفهم نظام الحسبة فهمًا عصريًا.

ومجال الحسبة مجال شامل يدخل فيه أمور معاصرة كثيرة، ولو ذهبنا نحصيها لطال بنا الحديث، ولكن حسبنا أن نضرب أمثلة واقعية ليقتنع القارئ بذلك، وكما قلنا إن الأمر بالمعروف يقتضي الدخول في كل مجال يحقق الخير ليس للمسلمين فقط؛ بل للإنسانية جمعاء، وأن النهي عن المنكر يقتضي محاربة كل فساد وشرّ، ليس للمسلمين فقط؛ بل للإنسانية جمعاء.

والمجالات التي تدخل فيها الحسبة كثيرة، فمثلًا في مجال الأمراض ومقاومتها يمكننا أن نساهم في إنشاء مراكز علمية مهمتها مقاومة الأمراض الجديدة، والتي تفتك بالبشر كالسرطان والإيدز ....، وفي مجال نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة يمكننا إقامة مراكز علمية واجتماعية لهذا الغرض، وإقامة مراكز بحثية لمقاومة الإباحية والتحلل الأخلاقي.

وفي مجال الحروب والأسلحة المدمرة يمكننا أن ننشئ مراكز عالمية للمساهمة في التقليل من الحروب، ومراكز أخرى لمحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل، مثل ما هو معمول به في أوروبا حينما أنشأوا منظمات لذلك مثل منظمة الخضر أو جماعات السلام الأخضر.

وفي مجال لتعايش بين الشعوب يمكننا أن نظهر حرص الإسلام

الحضاري على ثقافة التعايش ونشرها بين الأمم والشعوب، فإن من المنكر ما يقع بين الشعوب والدول من حروب مدمرة، تأكل الأخضر واليابس.

وفي مجال محاربة الفقر يمكننا أن نساهم في إنشاء المراكز البحثية التي تهتم بمحاربة الفقر، فقد أمرنا ديننا بذلك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر، وكان يقول : ( كاد الفقر أن يكون كفرًا ) ويقول الإمام علي : (لو كان الفقر رجلًا لقتلته).

ومجال آخر يمكن أن تدخل فيه الحسبة وهو مجال حماية الحيوانات والنباتات من الانقراض، فقد اهتم الإسلام بحفظ النوع والسلالة في الإنسان، والأنعام، والأشجار، وجميع المخلوقات الحية، ومما يفيد حرمة إتلاف الحيوانات قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من قتل عصفورًا عبثًا عجّ إلى الله عزّ وجل يوم القيامة يقول: يا ربّ، إنّ فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلني لمنفعة)، وكثير من النصوص التي جاءت تنهى عن إتلاف الحيوانات والنباتات لغير منفعة، ويمكن في هذا المجال أن ننشئ مراكز لحماية الحيوانات والنباتات من الانقراض.

ومن المنكرات التي يجب إنكارها ومحاربتها الكوارث والزلازل والأعاصير التي تفتك بالبشرية في كل عام، فيجب أن نساهم في إنشاء المراكز العلمية لدراستها ومكافحتها ووقاية البشرية من أضرارها.

ما ذكرته ما هي إلا نماذج لدخول الحسبة في مجالات كثيرة في الحياة المعاصرة، وبذلك نستطيع تفعيل مبدأ الحسبة تفعيلًا عصريًا، ونستطيع أن نكون مواكبين للعصر مع التزام بمبادئ ديننا، هذا هو الفهم الصحيح للدين، فديننا بما يملك من مبادئ وقيم وتشريعات وأخلاق يستطيع أن يواكب الحياة العصرية.

إننا في حاجة ماسة إلى فهم الإسلام فهمًا عصريًا، لنستطيع العيش في القرن الواحد والعشرين بكل راحة، نعيش فيه مع الالتزام بقواعد الدين وأخلاقياته، وهذه مهمة العلماء والفقهاء، بأن يجددوا الدين، أي يجعلونه صالحًا لكل عصر، متجددًا في كل زمان، وهذا ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها)

- See more at: http://almesryoon.com/permalink/133582.html#sthash.FcWUzncb.dpuf

كان المقال السابق توطئة لهذا المقال، فقد كان حديثنا عن الحسبة في العصور الإسلامية الماضية، وقد آن أن نحدثكم عن الحسبة في زماننا، فقد ضمرت الحسبة في كثير من الدول الإسلامية إن لم تكن قد اختفت، وعلى الرغم من أن وظائف الحسبة تقوم بها جهات أخرى كالبلدية والصحة.. إلا أنه من الملاحظ أن الحسبة أو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مفهوم واسع وشامل يدخل في قضايا كثيرة، فمصطلح المعروف يدل على كل خير ومصطلح المنكر يدل على كل شر، فكل خير من الأقوال والأعمال والمشاريع والأخلاق.. يجب أن نحرص عليه، وكل منكر من الأقوال والأعمال والمشاريع والأخلاق يجب أن نتطهر منه، وبذلك نضمن الخيرية في المجتمع والبعد عن كل منكر، فالإسلام هو النسخة النهائية الخاتمة للدين الإلهي وقد أوجد آلية للتغير والإصلاح لما يحدث في المجتمع من فساد ومن سلبيات، ولذلك ابتكر هذه الوسيلة لتغيير الفساد الذي يطرأ على المجتمع، فضمن بذلك بقاء المجتمع نظيفًا طاهرًا.

ومنطقي أن يتطور عمل جهاز الحسبة الإسلامية بتطور عمران المجتمعات الإسلامية نفسها، وهو إنما يميل بنا إلى أن نقرر أن ثمة آفاقًا جديدة ورحبة يملكها هذا الجهاز بطبيعة تكوينه بما هو ذراع في يد الشريعة لتصحيح مسيرة حياة المجتمع الإسلامي.

ومن المجالات الحديثة التي تدخل فيها الحسبة ما يسمى بالمنكرات البيئية، فهناك شكوى من إفساد البيئة وتلويثها، وأصبح ذلك منكرًا عالميًا، تنكره المنظمات والهيئات الدولية، وأصبح خطرًا يهدّد حياة الإنسان.

ولا شك أنّ التلوث البيئي قد أصبح من أخطر المشاكل الصحية، إذ تشير الإحصائيات العالمية إلى ازدياد مطرد في نسبة الإصابة بالسرطان نتيجة التوسع في دائرة استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية، ومكسبات الطعم واللون، بالإضافة إلى سوء تخزين المواد الغذائية، وخاصة الحبوب، والذي ينتج عنه بعض السموم الفطرية، ويصطلح على تسمية هذه السموم بالمسببات السرطانية.

وقد جاءت شريعتنا بإنكار كل ما يهدّد البيئة ويلوثها، واعتبرت ذلك منكرًا عظيمًا يجب التحذير منه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: { ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس } فأصبحت الكرة الأرضية اليوم مشغولة بهمومها، فالحرارة تلهب ظهرها، وتغيرات المناخ تهدد جوّها، والمبيدات الحشرية قد أفسدت أرضها.

وقد نهى الله عن إفساد البيئة فقال: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ؛ بل قد خصص الله بالذكر ذلك النوع من الفساد الذي يستأصل النبات والحيوان؛ فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}.

لقد أرست الشريعة الإسلامية مبدأ سد الذرائع إلى الفساد أيًا كان نوعه تقييدًا للتعامل مع البيئة بما يدرأ عنها المفسدة وذلك تحت قاعدة ( درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ).

إن هذا الموقف يجعلنا أكثر ثباتًا حينما نتحدث عن التلوث البيئي، ويظهر المبادئ العليا والسامية لديننا، فنحن حينما نعلن موقفنا من التلوث البيئي نعلنه من منطلقات ديننا المتحضر، وهذا لا يكون إلا حينما نفهم نظام الحسبة فهمًا عصريًا.

ومجال الحسبة مجال شامل يدخل فيه أمور معاصرة كثيرة، ولو ذهبنا نحصيها لطال بنا الحديث، ولكن حسبنا أن نضرب أمثلة واقعية ليقتنع القارئ بذلك، وكما قلنا إن الأمر بالمعروف يقتضي الدخول في كل مجال يحقق الخير ليس للمسلمين فقط؛ بل للإنسانية جمعاء، وأن النهي عن المنكر يقتضي محاربة كل فساد وشرّ، ليس للمسلمين فقط؛ بل للإنسانية جمعاء.

والمجالات التي تدخل فيها الحسبة كثيرة، فمثلًا في مجال الأمراض ومقاومتها يمكننا أن نساهم في إنشاء مراكز علمية مهمتها مقاومة الأمراض الجديدة، والتي تفتك بالبشر كالسرطان والإيدز ....، وفي مجال نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة يمكننا إقامة مراكز علمية واجتماعية لهذا الغرض، وإقامة مراكز بحثية لمقاومة الإباحية والتحلل الأخلاقي.

وفي مجال الحروب والأسلحة المدمرة يمكننا أن ننشئ مراكز عالمية للمساهمة في التقليل من الحروب، ومراكز أخرى لمحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل، مثل ما هو معمول به في أوروبا حينما أنشأوا منظمات لذلك مثل منظمة الخضر أو جماعات السلام الأخضر.

وفي مجال لتعايش بين الشعوب يمكننا أن نظهر حرص الإسلام

الحضاري على ثقافة التعايش ونشرها بين الأمم والشعوب، فإن من المنكر ما يقع بين الشعوب والدول من حروب مدمرة، تأكل الأخضر واليابس.

وفي مجال محاربة الفقر يمكننا أن نساهم في إنشاء المراكز البحثية التي تهتم بمحاربة الفقر، فقد أمرنا ديننا بذلك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر، وكان يقول : ( كاد الفقر أن يكون كفرًا ) ويقول الإمام علي : (لو كان الفقر رجلًا لقتلته).

ومجال آخر يمكن أن تدخل فيه الحسبة وهو مجال حماية الحيوانات والنباتات من الانقراض، فقد اهتم الإسلام بحفظ النوع والسلالة في الإنسان، والأنعام، والأشجار، وجميع المخلوقات الحية، ومما يفيد حرمة إتلاف الحيوانات قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من قتل عصفورًا عبثًا عجّ إلى الله عزّ وجل يوم القيامة يقول: يا ربّ، إنّ فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلني لمنفعة)، وكثير من النصوص التي جاءت تنهى عن إتلاف الحيوانات والنباتات لغير منفعة، ويمكن في هذا المجال أن ننشئ مراكز لحماية الحيوانات والنباتات من الانقراض.

ومن المنكرات التي يجب إنكارها ومحاربتها الكوارث والزلازل والأعاصير التي تفتك بالبشرية في كل عام، فيجب أن نساهم في إنشاء المراكز العلمية لدراستها ومكافحتها ووقاية البشرية من أضرارها.

ما ذكرته ما هي إلا نماذج لدخول الحسبة في مجالات كثيرة في الحياة المعاصرة، وبذلك نستطيع تفعيل مبدأ الحسبة تفعيلًا عصريًا، ونستطيع أن نكون مواكبين للعصر مع التزام بمبادئ ديننا، هذا هو الفهم الصحيح للدين، فديننا بما يملك من مبادئ وقيم وتشريعات وأخلاق يستطيع أن يواكب الحياة العصرية.

إننا في حاجة ماسة إلى فهم الإسلام فهمًا عصريًا، لنستطيع العيش في القرن الواحد والعشرين بكل راحة، نعيش فيه مع الالتزام بقواعد الدين وأخلاقياته، وهذه مهمة العلماء والفقهاء، بأن يجددوا الدين، أي يجعلونه صالحًا لكل عصر، متجددًا في كل زمان، وهذا ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها)

- See more at: http://almesryoon.com/permalink/133582.html#sthash.FcWUzncb.dpuf

كان المقال السابق توطئة لهذا المقال، فقد كان حديثنا عن الحسبة في العصور الإسلامية الماضية، وقد آن أن نحدثكم عن الحسبة في زماننا، فقد ضمرت الحسبة في كثير من الدول الإسلامية إن لم تكن قد اختفت، وعلى الرغم من أن وظائف الحسبة تقوم بها جهات أخرى كالبلدية والصحة.. إلا أنه من الملاحظ أن الحسبة أو (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) مفهوم واسع وشامل يدخل في قضايا كثيرة، فمصطلح المعروف يدل على كل خير ومصطلح المنكر يدل على كل شر، فكل خير من الأقوال والأعمال والمشاريع والأخلاق.. يجب أن نحرص عليه، وكل منكر من الأقوال والأعمال والمشاريع والأخلاق يجب أن نتطهر منه، وبذلك نضمن الخيرية في المجتمع والبعد عن كل منكر، فالإسلام هو النسخة النهائية الخاتمة للدين الإلهي وقد أوجد آلية للتغير والإصلاح لما يحدث في المجتمع من فساد ومن سلبيات، ولذلك ابتكر هذه الوسيلة لتغيير الفساد الذي يطرأ على المجتمع، فضمن بذلك بقاء المجتمع نظيفًا طاهرًا.

ومنطقي أن يتطور عمل جهاز الحسبة الإسلامية بتطور عمران المجتمعات الإسلامية نفسها، وهو إنما يميل بنا إلى أن نقرر أن ثمة آفاقًا جديدة ورحبة يملكها هذا الجهاز بطبيعة تكوينه بما هو ذراع في يد الشريعة لتصحيح مسيرة حياة المجتمع الإسلامي.

ومن المجالات الحديثة التي تدخل فيها الحسبة ما يسمى بالمنكرات البيئية، فهناك شكوى من إفساد البيئة وتلويثها، وأصبح ذلك منكرًا عالميًا، تنكره المنظمات والهيئات الدولية، وأصبح خطرًا يهدّد حياة الإنسان.

ولا شك أنّ التلوث البيئي قد أصبح من أخطر المشاكل الصحية، إذ تشير الإحصائيات العالمية إلى ازدياد مطرد في نسبة الإصابة بالسرطان نتيجة التوسع في دائرة استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة الكيماوية، ومكسبات الطعم واللون، بالإضافة إلى سوء تخزين المواد الغذائية، وخاصة الحبوب، والذي ينتج عنه بعض السموم الفطرية، ويصطلح على تسمية هذه السموم بالمسببات السرطانية.

وقد جاءت شريعتنا بإنكار كل ما يهدّد البيئة ويلوثها، واعتبرت ذلك منكرًا عظيمًا يجب التحذير منه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: { ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس } فأصبحت الكرة الأرضية اليوم مشغولة بهمومها، فالحرارة تلهب ظهرها، وتغيرات المناخ تهدد جوّها، والمبيدات الحشرية قد أفسدت أرضها.

وقد نهى الله عن إفساد البيئة فقال: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين} ؛ بل قد خصص الله بالذكر ذلك النوع من الفساد الذي يستأصل النبات والحيوان؛ فقال: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}.

لقد أرست الشريعة الإسلامية مبدأ سد الذرائع إلى الفساد أيًا كان نوعه تقييدًا للتعامل مع البيئة بما يدرأ عنها المفسدة وذلك تحت قاعدة ( درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة ).

إن هذا الموقف يجعلنا أكثر ثباتًا حينما نتحدث عن التلوث البيئي، ويظهر المبادئ العليا والسامية لديننا، فنحن حينما نعلن موقفنا من التلوث البيئي نعلنه من منطلقات ديننا المتحضر، وهذا لا يكون إلا حينما نفهم نظام الحسبة فهمًا عصريًا.

ومجال الحسبة مجال شامل يدخل فيه أمور معاصرة كثيرة، ولو ذهبنا نحصيها لطال بنا الحديث، ولكن حسبنا أن نضرب أمثلة واقعية ليقتنع القارئ بذلك، وكما قلنا إن الأمر بالمعروف يقتضي الدخول في كل مجال يحقق الخير ليس للمسلمين فقط؛ بل للإنسانية جمعاء، وأن النهي عن المنكر يقتضي محاربة كل فساد وشرّ، ليس للمسلمين فقط؛ بل للإنسانية جمعاء.

والمجالات التي تدخل فيها الحسبة كثيرة، فمثلًا في مجال الأمراض ومقاومتها يمكننا أن نساهم في إنشاء مراكز علمية مهمتها مقاومة الأمراض الجديدة، والتي تفتك بالبشر كالسرطان والإيدز ....، وفي مجال نشر الفضيلة ومحاربة الرذيلة يمكننا إقامة مراكز علمية واجتماعية لهذا الغرض، وإقامة مراكز بحثية لمقاومة الإباحية والتحلل الأخلاقي.

وفي مجال الحروب والأسلحة المدمرة يمكننا أن ننشئ مراكز عالمية للمساهمة في التقليل من الحروب، ومراكز أخرى لمحاربة انتشار أسلحة الدمار الشامل، مثل ما هو معمول به في أوروبا حينما أنشأوا منظمات لذلك مثل منظمة الخضر أو جماعات السلام الأخضر.

وفي مجال لتعايش بين الشعوب يمكننا أن نظهر حرص الإسلام

الحضاري على ثقافة التعايش ونشرها بين الأمم والشعوب، فإن من المنكر ما يقع بين الشعوب والدول من حروب مدمرة، تأكل الأخضر واليابس.

وفي مجال محاربة الفقر يمكننا أن نساهم في إنشاء المراكز البحثية التي تهتم بمحاربة الفقر، فقد أمرنا ديننا بذلك، فقد كان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الفقر، وكان يقول : ( كاد الفقر أن يكون كفرًا ) ويقول الإمام علي : (لو كان الفقر رجلًا لقتلته).

ومجال آخر يمكن أن تدخل فيه الحسبة وهو مجال حماية الحيوانات والنباتات من الانقراض، فقد اهتم الإسلام بحفظ النوع والسلالة في الإنسان، والأنعام، والأشجار، وجميع المخلوقات الحية، ومما يفيد حرمة إتلاف الحيوانات قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (من قتل عصفورًا عبثًا عجّ إلى الله عزّ وجل يوم القيامة يقول: يا ربّ، إنّ فلانًا قتلني عبثًا، ولم يقتلني لمنفعة)، وكثير من النصوص التي جاءت تنهى عن إتلاف الحيوانات والنباتات لغير منفعة، ويمكن في هذا المجال أن ننشئ مراكز لحماية الحيوانات والنباتات من الانقراض.

ومن المنكرات التي يجب إنكارها ومحاربتها الكوارث والزلازل والأعاصير التي تفتك بالبشرية في كل عام، فيجب أن نساهم في إنشاء المراكز العلمية لدراستها ومكافحتها ووقاية البشرية من أضرارها.

ما ذكرته ما هي إلا نماذج لدخول الحسبة في مجالات كثيرة في الحياة المعاصرة، وبذلك نستطيع تفعيل مبدأ الحسبة تفعيلًا عصريًا، ونستطيع أن نكون مواكبين للعصر مع التزام بمبادئ ديننا، هذا هو الفهم الصحيح للدين، فديننا بما يملك من مبادئ وقيم وتشريعات وأخلاق يستطيع أن يواكب الحياة العصرية.

إننا في حاجة ماسة إلى فهم الإسلام فهمًا عصريًا، لنستطيع العيش في القرن الواحد والعشرين بكل راحة، نعيش فيه مع الالتزام بقواعد الدين وأخلاقياته، وهذه مهمة العلماء والفقهاء، بأن يجددوا الدين، أي يجعلونه صالحًا لكل عصر، متجددًا في كل زمان، وهذا ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل قرن من يجدد لها دينها)

- See more at: http://almesryoon.com/permalink/133582.html#sthash.FcWUzncb.dpuf
   طباعة 

العصور , السابق , ضمرت , وقد , كالبلدية , زماننا، , اختفت، , الإسلامية , جهات , أنه , لهذا , مفهوم , تكن , بالمعروف , بها , الأمر , إلا , المقال , الحسبة , فقد , الرغم , الدول , وعلى , وظائف , الماضية، , أخرى , واسع , حديثنا , نحدثكم , توطئة , والنهي , تقوم , كان , المنكر , المقال، , والصحة , كثير , الملاحظ , وشامل

التعليقات : تعليق

« إضافة تعليق »

اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 2 = أدخل الكود

روابط ذات صلة

روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية

جديد المقالات

جديد المقالات
عفواً .. أوقفوا دستوركم - ركــــن الـمـقـالات
سيناريوهات 30 يونيه - بقلم الصحفى أ/ كمال ريان إبن قرية عنك
نظام أرعن ودبلوماسية خرقاء - ركــــن الـمـقـالات
ظفر إلهام شاهين ورقبة الشعب - ركــــن الـمـقـالات
إحتراف الفشل - أقلام الزوار

RSS

Twitter

Facebook

Youtube

القائمة الرئيسية

تسجيل الدخول

اسم المستخدم
كـــلمــة الــمــرور
تذكرني
تسجيل
نسيت كلمة المرور ؟
عدد الزوار

انت الزائر :258300
[يتصفح الموقع حالياً [ 70
الاعضاء :0 الزوار :70
تفاصيل المتواجدون

الساعه

 

يسي